الماوس

 جريمة القديح                            


الَحمَدُ للهِ حرَّمَ قَتلَ النفسِ إِلا بالحَقِ ، وأَمرَ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى الأَنفُسِ وَصَيَانَتِها،أَحْمَدُهُ وأَشكُرُهُ علَى نِعَمِهِ، وأَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِله إِلا اللهَ وحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَدَاً عبدُهُ ورسوله خير الورى وأفضل الأنام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكِرام وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين أما بعد فأُوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل فهي أمن وأمان وراحةٌ واطمئنان وسعادة في الدنيا والآخرة( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)([1]).
أيها المؤمنون: إن أعظمَ كبيرةٍ وجريمةٍ بعد الكفرِ قتلُ النفسِ التي حرّمَ اللهُ إلا بالحق، وإن الله سبحانه وتعالى حرّم قتل النفس التي عَصمتَ دمهَا بالإسلامِ والتي عصمتهُ بالعهد والأمان قال الله عز وجل (مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)([2]). قَالَ ابنُ عَباسٍ عن هذِه الآيةِ: الْمَعْنَى مَنْ قَتَلَ نَفْسًا وَاحِدَةً وَانْتَهَكَ حُرْمَتَهَا فَهُوَ مِثْلُ مَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ تَرَكَ قَتْلَ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَصَانَ حُرْمَتَهَا وَاسْتَحْيَاهَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ فَهُوَ كَمَنْ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا([3])، وقال عز وجل (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)([4])، وقال تعالى(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً )([5]).
أَيُها المُسلِمُون :إن النبي صلى الله عليه وسلم حرّمَ قتلَ النفس التي حرّم الله إلا بالحق فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ»([6])، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ)([7])،وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: «بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لاَ نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ نَسْرِقَ، وَلاَ نَزْنِيَ، وَلاَ نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَلاَ نَنْتَهِبَ، وَلاَ نَعْصِيَ، بِالْجَنَّةِ، إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ» ([8])، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» ([9]) . عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ، الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا، سَفْكَ الدَّمِ الحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ» ([10])
أيها المُتَقُون: إِنَّ ما حصلَ في القديح بمحافظة القطيف في هذا الأسبوع من قتل الأنفس التي حرّم الله جريمةٌ نكراءُ ومَكيِدَةٌ عظيمةٌ في حقِ الإسلام وفي حقِ الآمنين المُطمئنين ، ومعصيةٌ لربِ العالمين، ومخالفةٌ لسيد المرسلين ، لا تُقرُهُ العقولُ السليمةُ ، وتَرفُضُه الأديانُ الصحيحةُ ، فدينُنا دينُ الأمنِ والأمانِ وحفظِ الأنفسِ والحقوقِ للمسلمين، ولمن عاش في بلادهم من غير المسلمين من يهود ونصارى وغيرِهم،فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا»([11]) .
أيها الإخوة: لقد أصابتنا غصةٌ أحدثها أهل الغدر والخيانة ، وتكسوها حسرةٌ قدَّمها أعدائنا على أيدي أبنائنا قتلوا رجال الأمن وهو يحرسون بلاد التوحيد والموحدين على ثغر من ثغور التوحيد في الرياض ونجران وجازان رحمهم الله رحمة واسعة وتقبلهم شهداء وجعل الجنة مثواهم وجميع جنودنا والمسلمين وجعل ما يقدمه رجال أمنا في ميزان حسناتهم، وعظم أجر أهلهم وجبر مصابهم وأخلفهم فيهم خيرا ، وهم يُجاهدون الحوثيين ويحمون بلاد التوحيد، ثم يفجعوننا بحادثة بلدة القديح بقتل الآمنين المطمئنين في بلادهم .يفجعنا شرذمة هم كلاب النار خوارج فجار كما وصفهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال: «الخوارج كلاب النار» ([12]) ، وقد رأى أبو أمامة رءوسا منصوبة على درج دمشق، فقال أبو أمامة: «كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه» ، ثم قرأ: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} ([13])، قال الراوي قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا حتى عد سبعا ما حدثتكموه: " قال الترمذي هذا حديث حسن ([14])، وعن أبي سلمة، وعطاء بن يسار: أنهما أتيا أبا سعيد الخدري، فسألاه عن الحرورية: أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا أدري ما الحرورية؟ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم، - أو حناجرهم - يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نصله، إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة، هل علق بها من الدم شيء» ([15]) .
أيها المتقون: لَقدْأَمرَ النبيُr بِقتلِ الخَوارجِ ؛ لِعدمِ تَفرِيِقِ الأُمةِ وتَمزِيِقِها، ولاَشكَ أَنَّ الدواعشَ وتَنظِيمَ القاعدةِ وجَبهةَ النُصرةِ ،خوارجُ عصرنا يَعتقِدُونَ عقيدةَ الخوارجِ في التكفيرِ بالصغَائرِ والكَبائرِ ؛لذا كَّفرُونَا وقَتَلُونَا ودَمَرُونَا،فعَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّt: «إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِrفَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ» ([16])سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِr: «سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا، لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ([17])،بَلْ إنَّ النَبيَّrجَعلَ لِمَنْ قَتلَ الخوارجَ أجراً عظيماً؛لأن في قَتلِهِم تخليصاً لِلمسلِمَينَ مِن شَرِهِم،فعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّt، قَالَ: ذَكَرَ الْخَوَارِجَ فَقَالَ: «فِيهِمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ، أَوْ مُودَنُ الْيَدِ، أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ» ، لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ، عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍr، قَالَ قُلْتُ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ مُحَمَّدٍr؟ قَالَ: إِي، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، إِي، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، إِي، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) ([18])، وَوَصفَ النبَيُrالخَوارجَ بأنَّهم شَرُ الخَلْقِ والخَلِيِقَةِ؛ تِبْيَانَاً لِحَالِهِم وكَشْفَاً لِسُوءِهم ،فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّr، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِr: «إِنَّ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي - أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي - قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَلَاقِيمَهُمْ، يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ» فَقَالَ ابْنُ الصَّامِتِ: فَلَقِيتُ رَافِعَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ، أَخَا الْحَكَمِ الْغِفَارِيِّ، قُلْتُ: مَا حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي ذَرٍّt: كَذَا وَكَذَا؟ فَذَكَرْتُ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِr ([19])، وعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَىt ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِr: «الْخَوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ» ([20]). وسُئِلَ الإمامُ أحمدُ عَنِ الْخَوَارِجِ وَمَنْ قَالَ: هُمْ كِلَابُ النَّارِ ([21]).قَالَ المناوي:أَي: أَنَّهم يَتعَاوَوَنَ فِيها عِواءُ الكلابِ أَو أَنَّهم أَخَسُ أَهَلَهَا وأَحْقَرَهَم كما أَنَّ الكِلابَ أَخسُ الحيوانِاتِ وأَحْقَرَهَا، فالمبتدعةُ أعظمُ جُرْمَاً مِن الفُساقِ وأَشدُ ضَرَرَاً، فَفِتْنَةُ المُبتدِعِ في أَصلِ الدِينِ وفِتنةِ المُذنِبِ في الشهواتِ، والمُبتدعُ قَصدَ لِلنَاسِ على الصِرَاطِ المُستقِيمِِ يَصدُ عنه، والمُذنبُ لَيسَ كذلك ([22]).
أيها القانتون: إن الإرهاب نتيجة ٌ لتكفيرنا من أبناءنا بتغرير الأعداء في تنظيم القاعدة وداعش والحزبين والأحزاب ، والمُغررون بكلامهم المعسول عن الجهاد المزعوم؛لتطهير جزيرة العرب من اليهود والنصارى، واليهود سلموا من رصاصهم في فلسطين ولم يُطلقوا يوما رصاصة على يهودي في فلسطين، إنما أطلقوها على الموحدين في بلاد التوحيد فأصبح الهدف إخراجَ الموحدين وقتلَهم واستباحةَ دمائهم؛ لأنهم في نظر الخوارج الإرهابيين كفارٌ؛ لذا دمروا بلادنا وممتلكاتنا، وقتلونا وقتلوا الآمنين والمُعاهدين والمُستأمنين وقتلوا رجال آمنا، فقد كفرونا واستباحوا دمائنا ، وعقيدة أهل السنة والجماعة كما قال الطحاوي رحمه الله: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله ([23]) .
أيها الإخوة:إنَّ قتل أُناسأً آمنين مُطمئنين، وقتلَ مسلمين ، وقتلَ رجال الأمنِ، أمورٌ تُخالف الإسلام ، وتُهدد الوطنَ وأَمْنَه ، وتَفجعُ المواطنين ، وتُدمرُ المجتمعَ وتُفَكِكَه وتُمزقَه ، وتجعله شذرا مذرا متناحرا ومتقاتلا، وتُبدلُ النعمةَ كفرا،والشكرَ جُحُودا، وتَجعله طائفياً متفرقاً، ومعلومٌ ومتقررٌ أنَّ ديننَنا دينُ التعايشِ والأمنِ لكل البشرِ إذا التزموا أدآبه وأدوا الواجبات التي عليهم، فلقد عاش نبِيُنا صلى الله عليه وسلم مع اليهودي في المدينة ولم يُخرجهم إلا بغدرهم ونقضهم المواثيقَ ، لقد عاش معهم وزارهم وباع واشترى منهم ومات ودِرعهُ مرهونةٌ عند يهودي،فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ» ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ)([24])، وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ»([25]) الله أكبر رحمة من النبي الرؤوف الرحيم بِغُلامٍ يهودي ، فكيف بالمسلمين الآمنين المُطمئنين والمقيمين المُعاهدين، فلقد عاشوا في الإسلام أحسنَ عيشَةٍ، فأَمِنُوا واطمأنوا، ولم يخافوا إلا الله، وتعايشوا منذ القرون الأولى في الإسلام في جزيرة العرب ، أفلا يتقي الله مَنْ يتبع الخوارجَ والدواعشَ والإرهابيين في أَفْعَالِهم وأَفكارِهم ومُعتقداتِهم الضالةِ المنحرفةِ عن الإسلامِ والبعيدةِ عن التوحيدِ والإيمانِ ، الُفرقةِ للجمع، والشاقةِ للصفِ،أفلا يرعوي هؤلاء الأغرار عن تدمير الوطنِ والمجتمعِ والمُقدراتِ والمُكتسبات وأعظمها بعد التوحيد الأنفسِ ،و لقد عدَّ سماحة مفتي عام المملكة رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ، ما حدث في أحد المساجد ببلدة القديح في محافظة القطيف، جريمة خطيرة الهدف منها محاولة إثارة الفتنة وإيجاد فجوة بين أبناء الوطن والفتن في هذا الظرف العصيب, والمملكة تدافع عن حدودها الجنوبية فأرادوا بهذا العمل إشغالها بتنفيذ هذا المخطط الإجرامي الذي يهدف من وراءه إلى تفريق صفنا وكلمتنا وإحداث فوضى في بلادنا, ولكن ولله الحمد الأمة متماسكة مجتمعه متآلفة تحت دين الله جل وعلا ثم تحت راية قيادتنا المباركة الحكيمة التي تسعى وتبذل جهدا في توحيد المجتمع وتقوية روابطه فيما بيننا جميعا".
أيها المسلمون: علينا أن نتفق ولا نختلف وأن نلتزم شرعنا ومنهجنا وأن نُطبق ديننا، وأن لا نُدمر وطننا باتباع السفهاء ؛ لننفذ خطط الأعداء المجوس الصفويين ، ونحفظَ بلدنا ومجتمعنا ، ونتعاون مع قادتنا وعلماءنا ورجال أمننا وفق الله الجميع وسدد الخُطا إنه خير مسؤول .
وكتبه/ د. سعد بن عبدالله السبر
الجمعة 10/8/1436


([1]) سورة المائدة، آية: 32.
([2])سورة آل عمران، آية: 102.
([3])تفسير القرطبي (6 / 146).
([4]) سورة الأنعام، آية:151.
([5]) سورة الفرقان، آية:68-69.
([6]) أخرجه البخاري بَابٌ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] حديث رقم 25 صحيح البخاري (1 / 14)
([7])أخرجه البخاري بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا، إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] حديث رقم 2766صحيح البخاري (4 / 10) :، ومسلمبَابُ بَيَانِ الْكَبَائِرِ وَأَكْبَرِهَا حديث رقم 89 صحيح مسلم (1 / 92)
([8])أخرجه البخاريبَابُ وُفُودِ الأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ، وَبَيْعَةِ العَقَبَةِ حديث رقم صحيح البخاري (5 / 55).
([9])أخرجه البخاري بابقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93]  حديث رقم 6862صحيح البخاري (9 / 2)
([10])أخرجه البخاري بابقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93]حديث رقم 6863 صحيح البخاري (9 / 2)
([11])أخرجه البخاريبَابُ إِثْمِ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا بِغَيْرِ جُرْمٍ حديث رقم 3166 صحيح البخاري (4 / 99).
([12])سنن ابن ماجه (1 / 61) صححه الألباني
([13]) سورة آل عمران، آية: 106.
([14])سنن الترمذي ت شاكر (5 / 226) وصححه الألباني.

([15]) رواه البخاري باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم حديث رقم 6931 صحيح البخاري (9 / 16)، ورواه مسلم باب ذكر الخوارج وصفاتهم حديث رقم 1064صحيح مسلم (2 / 743)
([16])أخرجه مسلم بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قَتْلِ الْخَوَارِجِحديث رقم 1066 صحيح مسلم (2 / 746) .
([17])أخرجه البخاري باب علامات النبوة في الإسلام حديث رقم 3611 صحيح البخاري (4 / 200)، و أخرجه مسلم صحيح مسلم (2 / 746) ، و أبو داوودباب في قتال الخوارجحديث رقم 4767 سنن أبي داود (4 / 244).
([18])أخرجه مسلم بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قَتْلِ الْخَوَارِجِ حديث رقم صحيح مسلم (2 / 747) .
([19])أخرجه مسلم بَابُ الْخَوَارِجُ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ حديث رقم 1067صحيح مسلم (2 / 750).
([20]) أخرجه ابن ماجه بَابٌ فِي ذِكْرِ الْخَوَارِجِ حديث رقم 173سنن ابن ماجه (1 / 61)، السنة لعبد الله بن أحمد 1543 (2 / 643) بَابُ ذِكْرِ ثَوَابِ مَنْ قَاتَلَ الْخَوَارِجَ فَقَتَلَهُمْ أَوْ قَتَلُوهُ حديث رقم 59 ، الشريعة للآجري (1 / 368) ،و قال الألباني:صحيح . ينظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته حديث رقم 3347 (1 / 631) .
([21])السنة لعبد الله بن أحمد (2 / 618) .
([22])فيض القدير (1 / 528).
([23])شرح الطحاوية - ط الأوقاف السعودية (ص: 296)
([24])أخرجه البخاريبَابُ إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ، هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلاَمُ حديث رقم 1356 صحيح البخاري (2 / 94).
([25])أخرجه البخاري بَابُ شِرَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّسِيئَةِ حديث رقم 2068 صحيح البخاري (3 / 56) : ، ومسلمبَابُ الرَّهْنِ وَجَوَازِهِ فِي الْحَضَرِ كَالسَّفَرِ حديث رقم 1603صحيح مسلم (3 / 1226).
رقم 1356 صحيح البخاري (2 / 94).
([1])أخرجه البخاري بَابُ شِرَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّسِيئَةِ حديث رقم 2068 صحيح البخاري (3 / 56) : ، ومسلمبَابُ الرَّهْنِ وَجَوَازِهِ فِي الْحَضَرِ كَالسَّفَرِ حديث رقم 1603صحيح مسلم (3 / 1226).

»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد