الماوس

» » تأويل مختلف الحديث

تأويل مختلف الحديث
     ذكر أصحاب الحديث:
قال أبو محمد:
فأما أصحاب الحديث فإنهم التمسوا الحق من وجهته، وتتبعوه من مظانه، وتقربوا إلى1 الله تعالى باتباعهم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلبهم لآثاره وأخباره، برًا وبحرًا وشرقًا وغربًا.
يرحل الواحد منهم راجلا مقويًا2 في طلب الخبر الواحد، أو السنة الواحدة، حتى يأخذها من الناقل لها مشافهة.
ثم لم يزالوا في التنقير عن الأخبار والبحث لها، حتى فهموا صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي.
فنبهوا على ذلك حتى نجم3 الحق بعد أن كان عافيًا، وبسق4 بعد أن كان دارسًا5، واجتمع بعد أن كان متفرقًا، وانقاد للسنن من كان عنها معرضًا، وتنبه عليها6 من كان عنها غافلًا، وحكم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كان يحكم بقول فلان وفلان وإن7 كان فيه خلاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وفي نسخة: من الله.
2 أي: نازلًا بالقفر من الأرض.
3 نجم: أي ظهر.
4 بسق: أي علا وارتفع.
5 دارسًا: مطموسًا لا أثر له.
6 لعل الأصح: وتنبه لها.
7 وفي نسخة:؛ بحذف "وإن".

ص -128-     تمييز الأحاديث الموضوعة للتحذير فيها:
وقد يعيبهم الطاعنون بحملهم الضعيف، وطلبهم الغرائب، وفي الغريب الداء.
ولم يحملوا الضعيف والغريب، لأنهم رأوهما حقًّا، بل جمعوا الغث والسمين والصحيح والسقيم، ليميزوا بينهما، ويدلوا عليهما، وقد فعلوا ذلك فقالوا في الحديث المرفوع: "شرب الماء على الريق، يعقد الشحم"1 هو موضوع، وضعه عاصم الكوزي.
وفي حديث ابن عباس: "أنه كان يبصق في الدواة، ويكتب منها". موضوع، وضعه عاصم الكوزي.
قالوا: وحديث الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يجز طلاق المريض" موضوع وضعه سهل السراج.
قالوا: وسهل كان2 يروي أنه رأى الحسن يصلي بين سطور3 القبور.
وهذا باطل، لأن الحسن روى أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن الصلاة بين القبور"4.
قالوا: وحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الرجل راكبًا ما دام منتعلًا" باطل، وضعه أيوب بن خوط.
وحديث عمرو بن حريث "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يشار بين يديه يوم العيد بالحراب" هو باطل وضعه المنذر بن زياد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وفي إسناده: عاصم بن سليمان، وضاع. "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني ص 186 برقم 73".
2 وفي نسخة: وسهل روى أن الحسن كان يصلي.
3 سطور القبور: أي صفوفها.
4 أخرجه الترمذي: صلاة 141 وابن ماجة: مساجد 4.

ص -129-     وحديث بن أبي أوفى "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس لحيته في الصلاة" وضعه المنذر بن زياد.
وحديث يونس عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، "نهى عن عشر كنى" موضوع وضعه أبو عصمة، قاضي مرو.
وقالوا في أحاديث موجودة على ألسنة الناس: ليس لها أصل.
منها: "من سعادة المرء، خفة عارضيه".
ومنها: "سموهم بأحب الأسماء إليهم" وكنوهم بأحب الكنى إليهم".
ومنها: "خير تجاراتكم1 البز، وخير أعمالكم الخرز".
ومنها: "لو صدق السائل، ما أفلح من رده".
ومنها: "الناس أكفاء إلا حائكًا، أو حجامًا" مع حديث كثير، لا يحاط به2، قد رووه، وأبطلوه.
وقال ابن المبارك في أحاديث أبي بن كعب: "من قرأ سورة كذا، فله كذا، ومن قرأ سورة كذا فله كذا" أظن الزنادقة، وضعته.
وكذلك هذه الأحاديث التي يشنع بها عليهم من عرق الخيل، وزغب الصدر، وقفص الذهب، وعيادة الملائكة، هي كلها باطل، لا طرق لها، ولا رواة، ولا نشك في وضع الزنادقة لها.
تأويلالأحاديث الصحيحة المشكلة:
قال أبو محمد:
وقد جاءت أحاديث صحاح، مثل: "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن"3.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وفي نسخة: تجارتكم.
2 وفي نسخة: لا نحيط.
3 تقدم ص54.

ص -130-     و"إن الله تعالى خلق آدم على صورته"1 و"كلتا يديه يمين" "ويحمل2 الله الأرض على أصبع ويجعل كذا على أصبع"3.
و"لا تسبوا الريح، فإنها من نفَس الرحمن"4،
و"كثافة جلد الكافر في النار أربعون ذراعًا، بذراع الجبار"5.
قال أبو محمد:
ولهذه الأحاديث مخارج، سنخبر بها في مواضعها من هذا الكتاب، إن شاء الله.
وربما نسي الرجل منهم الحديث قد حدث به، وحفظ عنه ويذاكر به، فلا يعرفه، ويخبر بأنه قد حدث به، فيرويه عمن سمعه منه، ضنا بالحديث الجيد، ورغبة في السنة، كرواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قضى باليمين مع الشاهد"6.
قال ربيعة: ثم ذاكرت سهيلًا بهذا الحديث، فلم يحفظه، وكان بعد ذلك، يرويه عن نفسه، عن أبيه عن أبي هريرة.
وكرواية وكيع وأبي معاوية عن ابن عيينة حديثين:
أحدهما: عن بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: حدثناه محمد بن7 هارون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تقدم ص54.
2 وفي نسخة: ويجعل.
3 وجدناه بلفظ: "إن الله يمسك السموات على أصبع" في البخاري: توحيد 19 و26 و36، ومسلم: المنافقون 19 و21، والترمذي: تفسير سورة 39/ 2.
4 أخرجه أحمد: 2/ 250 و268 و409 و437، والترمذي: فتن 65، وابن ماجة: أدب 29.
5 وجدناه بلفظ: "وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعًا" من مسند أحمد 2/ 334 و537.
6 أخرجه أبو داود: أقضية 21، والترمذي: أحكام 13، وابن ماجة: أحكام 31، والموطأ: أقضية 5 و6 و7، وأحمد 3/ 305 و5/ 285.
7 محمد بن هارون: هو أبو عيسى الوراق باحث معتزلي من أهل بغداد، ووفاته فيها عام 247هـ. له تصانيف منها: "المقالات في الإمامية"، وكتاب "المجالس" نقل عنه المسعودي.
تأويل مختلف الحديث
تأليف:
عبد الله بن مسلم بن قتيبة


»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد